بدأت الحكاية في أيام النزوح الأولى حين لجأت لين مع عائلتها الكريمة إلى منزل جدهم الدكتور عمر فروانة في شمال قطاع غزة، حيث كانت الأيام تمضي بجلوس عائلي دافئ على تلاوة القرآن وتناوب الأحاديث البسيطة وتناول وجبة السمك التي جمعتهم للمرة الأخيرة. في تلك الليلة، وحين افترق الجميع ليناموا في أمان ظاهري، ذهبت لين لتنام في غرفة جانبية على سرير صغير وحدها، غير مدركة أن هذه اللحظة العابرة هي التي ستنقذ حياتها. فجأة، وبدون سابق إنذار ولا صوت صاروخ مسموع، وجدت لين نفسها مطمورة بين أطنان من الحجارة والردم بعد أن سوت الغارات البناية بالأرض. وسط العتمة والهلع، بدأت تصرخ وتنادي على والدتها وأبيها وخالها عزيز، لكن الصدى وحده كان يجيبها، إلى أن انتبه رجال الدفاع المدني لصوتها الضعيف وأزاحوا عن صدرها عموداً خرسانياً أوشك أن ينهي حياتها، لتخرج من تحت الأنقاض مصدومة لا تكد تستوعب أنها الناجية الوحيدة من بين ستة عشر فرداً كانوا في المنزل.
لم تكن صدمة النجاة وحدها هي ما ينتظر لين، فبعد خروجها والانتقال المؤقت، تلتها فجائع الفقد الصاعقة؛ إذ استشهدت والدتها الدكتورة آيك فروانة، شريكة القرآن، ومعها أخوتها بسملة وعلا وشقيقها الأصغر عماد الذي كان بالنسبة لها بمثابة ابنها وروحها، إضافة إلى استشهاد والدها البطل صالح فروانة بعد أسابيع قليلة من استشهاد والدتها، لتجد الفتاة نفسها يتيمة الأبوين بلا أخوة. وفي خضم هذا الوجع المطبق، ظهرت كرامات الشهداء لتواسي قلبها؛ حيث عُرفت والدتها برائحة المسك الفواحة عند انتشالها، وبقيت لين تحتضن ذكرياتهم العميقة، بما فيها هوايتها الوحيدة في الرسم الرقمي (الديجيتال) التي طورتها خلال الحرب لترسم للناس صوراً تجمعهم بأحبائهم الشهداء، متخذة من الفن مخرجًا لآلامها وطريقة لبلسمة قلوب الآخرين.
واليوم، تقف لين فروانة ذات الخمسة عشر ربيعاً، والتي عرفت بمعجزة نجاتها، حاملة في قلبها خوفاً عميقاً من التعلق بالأحبة بعد فقدان من تعلقت بهم من أعمام وأقارب كعمها ميسره وزوجته اللذين رحلا تباعاً، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بحلمها الواعد. إنها ترنو بثبات نحو المستقبل متسلحة بوصية أمها وحفظها للقرآن، آملة أن تواصل طريق العلم لتصبح طبيبة مثل والدتها، لتظل قصتها شاهدة على أن روح الطفولة الفلسطينية حين تكسرها الحرب، تعود لتنبت ورداً وإصراراً على قمم المجد.