حين يتجسد الصبر حياً على الأرض، يرتفع الإنسان فوق جراحه ليكون منارةً تهدي التائهين في عتمة الفواجع. هذه ليست مجرد قصة عن الفقد والرحيل، بل هي ملحمة إيمانية ترويها الدكتورة سحر سعدي عبد المطلب كحيل، معلمة الأجيال ورئيسة قسم التلاوة والتجويد بوزارة الأوقاف، التي عادت من غربتها الطويلة في المملكة العربية السعودية لتستقر في غزة، حافرةً في صخر الحياة مسيرة علم توجتها بحصولها على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ومكرسةً حياتها لتربية أبنائها وبناتها على مائدة القرآن الكريم الذي كان نهج بيتها ودستور تربيتها.
بدأت محطات الفقد الكبرى مع إشراقة أيام الحرب الأولى، حين استهدفت غارة جوية منزل ابنتها “ياسمين” لتودي بحياة من فيه. وبعد أن اشتدت الحرب وزادت حدة القصف، هرع ابنها البار “أحمد” لنجدتهم واللجوء إلى مكان أكثر أماناً، لكنّ الموت كان يتربص به؛ فحين سبقهم إلى مدرسة العائلة المقدسة، حاصرتهم دبابات الاحتلال وأعدمته بدم بارد برفقة 15 رجلاً. ولم تكن تلك الفاجعة سوى الفاتحة لسلسلة طويلة من الأوجاع؛ فبعد انسحاب الدبابات من حي الزيتون، تفاجأت الدكتورة سحر باستشهاد ابنها أحمد، وظل جثمانه ملقىً في الشارع أياماً طويلة قبل أن تتمكن العائلة من الوصول إليه ومواراته الثرى.
ولم تسلم بقية العائلة من رصاص الغدر وقذائف الحقد؛ فقد توالت اتصالات الوداع الحزينة من الأقارب والأحباء، واستُشهد الأبناء الواحد تلو الآخر في غارات متفرقة استهدفت المنازل والأحياء. كان ابنها “عبد الله” قد ودعها قبل استشهاده بشهر كامل، محتضناً إياها بشوق كبير كأنه يضم عظامها إلى صدره ويوصيها بالثبات. ثم تبعته شقيقة الدكتورة وعائلتها وأبناؤها في مجزرة مروعة هزت الوجدان، لتجد الأم الصابرة نفسها أمام مشاهد تفطر قلوب الجبال؛ حيث كانت ابنة أختها الجريحة توصي بسترها وهي تحت الأنقاض قبل أن ترتقي شهيدة، ويلحق بها خالها وبقية أفراد الأسرة في قوافل متتالية إلى جنان الخلد.
وفي خاتمة رحلة الوجع، جاء دور الابن الأصغر “براء” الذي ودع والدته باحتضان دافئ شبيه باحتضان أخيه الشهيد، موصياً إياها بألا تجزع إن جاءها خبر استشهاده، بل أن تكمل رسالتها بصبر ويقين. وحين كُفن براء ووُري الثرى في مقبرة الشيخ شعبان قرب المستشفى المعمداني، حدثت المعجزة التي ثبتت قلب الأم المؤمنة؛ إذ وجدوا جثمان زوجها وجثمان ابنها أحمد اللذين دُفنا سابقاً طريين كأنما استُشهدا للتو، لم يتغير منهما شيء، لتتيقن الدكتورة سحر أن دماء الأحبة لا تضيع سدى، وأن الكرامات تُسكب على الصابرين صبّاً.
واليوم، تقف الدكتورة سحر كحيل، معلمة الأجيال التي طالما شرحت للناس آيات الصبر والابتلاء في قوله تعالى “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع”، لتؤدي الاختبار الأقسى في حياتها بكل ثبات وجلال. إنها تؤكد بملء فيها أن التحرير لا يأتي بالمجان وأن التضحيات هي ثمن النصر المترقب، معلنة بفخر عظيم أن أولادها وأحبتها كانوا من شهداء هذا الطريق الطاهر، وأن الفقد مهما اشتد لم يزدها إلا إيماناً وتثبيتاً في مسيرة لا تعرف الانكسار.