تتقاطع دروب الألم والصبر في سيرة امرأة واحدة لتختزل حكاية وطن بأكمله. إنها سلام مصطفى منيب صرصور، المعروفة بأم طارق عياد، التي لم تترك لها الحرب ركناً إلا وفجعتها فيه، فارتضت أن تكون خنساء فلسطين المجللة بالرضا واليقين. تبدأ سيرة الفقد الكبرى من استشهاد والدها الراحل رفقة الشيخ أحمد ياسين لتتوالى الصدمات بعدها باستشهاد زوجها في عام 2008 بعد نبوءة مازحة تحققت حين أخبرها بموعد استشهاده يوم انتهاء الهدنة. ولم تنتهِ فصول الحكاية عند هذا الحد، بل امتدت لتطال زهرة شباب عائلتها حين اندلعت حرب الإبادة لتخطف منها الأبناء والأعزة واحداً تلو الآخر في لتتجرّع مرارة الفقد تباعًا.
بدأت محنة الفقد الكبرى حين اضطرت أم طارق للنزوح إلى إحدى المدارس، وهناك التقت بابنها رائد الذي قضى معها ستة أيام قبل أن يستودعها ربه ويمضي نحو ساحات المواجهة مردداً دعوات التسديد. ولم تمضِ سوى يومين حتى جاءها خبر استشهاد عم ابنها وهو يحاول إسعاف رائد ومنيب ابن شقيقها، لتتوالى الأنباء الثقيلة كالصواعق على قلب أم تتجرع مرارة الانتظار. في تلك اللحظة الحرجة، وقفت ابنتها الكبرى لتشد من أزرها مذكرة إياها بقوتها وصبرها، لتنحني أم طارق ساجدة على الأرض راضية بقضاء الله، شكرت ربها على شرف استشهاد ابنها رائد، غير آبهة بما خبأه القدر الباقي من لوعة وفراق.
ولم تكن فجيعة رائد هي الأخيرة، فقد بقي ابنها مصطفى سندها وضلعها الذي تعتمد عليه. في صبيحة يوم استشهاده، استيقظ مصطفى ليغمر والدته باحتضان غير مألوف ومتكرر كأنه يودع وجهها ويشبع عينيه من حبها قبل أن ينزل ليلعب مع بنات أخويه ويطيرهن فرحاً. وحين عادت أم طارق من مشوارها، تلقت نبأ إصابته، لتجري نحو جرحه وهي تسمع جيرانه يروون كيف كان يصعد الدرج مسرعاً وحين سئل أين يذهب أجاب بكل يقين بأنه ذاهب إلى الجنة. جلست أم طارق قرب سريره، تقبل يده وتهمس في أذنه أن يبقى سنداً لعائلته، لكن الروح كانت قد اختارت مصيرها، لتزف أم طارق ابنها شهيداً جديداً وهي تلهج بحمد الله وشكره على هذا الشرف العظيم.
واليوم، تجلس أم طارق وحيدة على مائدة طعام كانت تضج بضحكات الأولاد والجمعات الدافئة، ولم يبقَ معها سوى بناتها، بينما استشهد البقية لترتقي هي إلى مرتبة خنساء فلسطين وزوجة شهيد وأخت شهيد وبنت شهيد وحماة شهيد. إن دموعها التي تنحدر بصمت لا تحمل اعتراضاً بل دعاءً صادقاً بأن يعطيها الله أجر الصابرين، لتظل قصة أم طارق سِفراً خالداً من الصبر الإنساني الذي يعلو على الجراح ولا ينكسر.