تُوثّق قصص الشهــداء والجرحى والناجين، وتنقل تفاصيلهم كما هي، لتبقى الذاكرة حيّة.

تقارير حكاية

نائلة مريش أم فلسطينيّة أطفأ الشلل شبابها وبقيت أمنيتها أن تمسك يد طفلتها

بقلم غزة - فريق حكاية

24 أكتوبر، 2026

تتحول الشواهد إلى حكايات حين تصبح الحياة صراعاً متصلاً بين الموت والنجاة. هذه ليست قصة عابرة، بل ملحمة وجع سُطرت أحداثها تحت أنقاض الموت وفي أروقة الخيام المشتعلة. إنها سيرة صبية غِضّة لم تتجاوز الأربعة والعشرين عاماً، وجَدت نفسها تنجو من موتٍ محقق خمس مرات متتالية، لتبحث عن حقٍ بسيط في العلاج والحياة بين زحام الحرب وقسوة النزوح.

بدأت الحكاية من حي الشجاعية، حيث كانت نائلة مريش تعيش حياة هادئة برفقة طفلتها الصغيرة شام، قبل أن تلتهم الحرب الأمن وتجبرهم على النزوح الأول نحو حي الزيتون. هناك، غدرت بهم غارة جوية هدمت البناية السكنية فوق رؤوسهم، ليخرجوا جميعاً من تحت الركام بإصابات طفيفة وشنطة واحدة تحمل أسرار بقائهم. لم يكن ذلك سوى بداية الرحلة، إذ سارعت العائلة بالنزوح جنوباً بحثاً عن الأمان المفقود، لكن يد الفقد لاحقتهم هناك لتخطف شقيقي نائلة في استهداف دامٍ أسفر أيضاً عن إصابتها وابنتها شام بجروح جراء اشتعال الخيمة. وفي لحظة ذعر شديد، حملت الأم المصابة طفلتها التي لم تتجاوز الأعوام الثلاثة بين ذراعيها، وسارت بها رغم الكسور والشظايا المنتشرة في يدها وقدمها وظهرها، لتخوض رحلة علاج شاقة على العكاز استمرت ستة أشهر متواصلة.

ولأن الشوق للأرض لا يموت، عادت نائلة وطفلتها نحو غزة، لتنتهي رحلتهم في خيمة متواضعة على قارعة الطريق بحي الرمال. لم تدم الاستراحة طويلاً، إذ سقط صاروخ جديد أمام الخيمة مباشرة، ليزلزل كيان العائلة وينزع منها أغلى ما تملك. استشهدت والدتها فوراً بعد إصابة بالغة في الدماغ، فيما أصيبت نائلة بشظايا اخترقت ظهرها والرئتين، لتستيقظ بعد أسبوع ونصف من الغيبوبة التامة على صدمتين تقتلان الروح؛ صدمة رحيل أمها ورفيقة دربها، وصدمة إصابتها بشلل نصفي أفقَدها الإحساس والحركة نهائياً، وجعلها عاجزة عن قضاء أدنى احتياجاتها اليومية دون مساعدة.

واليوم، وهي تعيش في خيمة بالية تهب عليها الرياح وفي الشارع بلا مأوى، تحمل نائلة بين يديها تحويلة طبية مضى عليها تسعة أشهر دون مجيب، بينما تقف طفلتها الصغيرة شام ذات الخمس سنوات تبكي في حضن أمها وتنادي بحسرة تفتت الصخر، متمنية أن تعود والدتها للسيّر مجدداً لتمسك بيدها كما كانت تفعل سابقاً. إن أمنية نائلة لا تتجاوز حدود البقاء والتعافي؛ فهي لا تطلب سوى فرصة سفر تعيد لها القدرة على الحركة، لتمارس أمومتها وتضم طفلتها وتعينها على الحياة، متمسكة بالأمل رغم الصعاب لعل هناك ضميراً حياً يسمع صرختها قبل فوات الأوان.

شارك المقال