تُوثّق قصص الشهــداء والجرحى والناجين، وتنقل تفاصيلهم كما هي، لتبقى الذاكرة حيّة.

تقارير حكاية

بين أنقاض بيت حانون وضياء الأمل: فرح الكحلوت تُبصر حلمها بقلبها

بقلم فريق التحرير

24 أكتوبر، 2026

في تفاصيل الحكايات التي تولد من رحم القهر والدمار في قطاع غزة، تقف الشابة الفلسطينية فرح الكحلوت (18 عاماً) كشاهدةٍ على الألم الممتد، وشعلةٍ تجسد الإرادة التي لا تجرفها الحرب.

قبل السادس من أكتوبر، كانت فرح فتاة تملأ بيتها شغفاً؛ تقضي ساعات الليل بين أوراق الرسم وأقلام الفحم، وتنسج على سطح منزلها ألواناً مائية، تحت عين والديها اللذين كانا يرون فيها مشروع صحفية أو محامية ذات شخصية قيادية وقوية. لكن رحلة الحرب غيّرت وجه الحكاية كلياً.

الفقد الأول.. والرحلة نحو العتمة

تلقّت فرح فجيعتها الأولى حين غيب القصف عائلة جدها بالكامل؛ أكثر من 70 شخصاً استشهدوا في لحظة واحدة. ولم تكد تلملم العائلة آلامها حتى فُجعت بشقيقتها الصغرى “جنى” (13 عاماً)، التي ارتقت في أزقة الحي، لتمر فرح بأقسى مواقف حياتها وهي تنظف آثار الفقد وتخفي الأشلاء عن والدها المنهار.

تنقلت فرح وعائلتها عبر 12 رحلة نزوح مريرة تحت القصف والتهديد المستمر، وصولاً إلى أقصى الشمال في “عزبة بيت حانون”. هناك، وفي التاسع من ديسمبر 2024، قُصف المنزل الذي يؤويهم بثلاثة صواريخ متتالية.

“قصفوا البيت علينا ونحن نصلي.. طارت أختي الصغرى آية، واستشهد والداي ومعظم من في البيت.. بقيت أنا تحت الأنقاض لساعات، أصرخ وسط العتمة والركام حتى تم انتشالي.”

صدمة الخبر والجسد المنكوب

نُقلت فرح بصعوبة بالغة عبر العربات البدائية تحت قذائف الاستهداف نحو المستشفيات التي تفتقر لأبسط الإمكانيات. وبعد غيبوبة استمرت أياماً في مستشفى الشفاء، استيقظت الفتاة لتواجه الحقيقة الصادمة دفعة واحدة: استشهاد والديها وسندها في الحياة، بتر ساقها اليسرى، وفقدانها البصر بشكل شبه كامل جراء انفجار الصواريخ.

عاشت فرح ليالي طويلة من الألم الجسدي والنفسي؛ جهاز سحب الدم الفاسد من الساق كان “يستلّ روحها في كل ثانية” -على حد وصفها-، والجروح تحيط بجسدها الصغير، بينما ظلام عينها يزيد من ثقل الفاجعة.

معجزة “التوجيهي”.. انتصار العلم على الإعاقة

على الرغم من فقدان البصر والبتر والجروح الغائرة، رفضت فرح أن تتوقف. وبدعم من صديقاتها وأختها الناجية “آية”، اتخذت قراراً باستكمال دراستها في الثانوية العامة (التوجيهي).

لم تكن فرح تملك أدوات خاصة للمكفوفين أو كتباً بطريقة “برايل”، بل اعتمدت كلياً على: استماع الملخصات الصوتية التي كانت ترسلها صديقاتها عبر الهاتف، والمذاكرة في أروقة المستشفيات وبين جلسات العلاج المؤلمة، والتسميع الشفهي بمساعدة أختها آية.

وفي يوم الامتحان الأول، كانت فرح تؤدي اختبارها من داخل المستشفى وسط الألم والنزيف، لتتوج في النهاية ضمن قائمة الناجحين في شمال غزة، مُهديةً هذا النجاح لروح والدها الذي طالما حلم بهذه اللحظة.

“كنت أقول لنفسي: الإعاقة لن توقفني عن حلمي. أنا لم أولد هكذا، لكن هذا قدر الله وأنا سأحقق حلم أبي وأبصر بقلبي ما حرمت من رؤيته بعيني.”

الأمل المتبقي: صراع مع الوقت

اليوم، تمضي فرح أيامها في مطاردة الأمل المتبقي؛ عينها اليمنى تشهد تراجعاً مستمراً في مدى رؤية الضوء بسبب وجود شظايا دقيقة، والأطباء يؤكدون أن الوقت ليس في صالحها، وأن سفرها لتلقي العلاج وإجراء جراحات دقيقة خارج القطاع هو الفرصة الأخيرة لتستعيد نور عينيها.

تنهي فرح حكايتها لموقع حكاية بابتسامة لم تغادر وجهها رغم كل شيء:

“أنا عايشة على أمل أن أرجع أشوف.. لو أتعالج كل شيء سينحل. سأكمل دراستي الجامعة، ولن يتوقف الشغف.”

قصة فرح ليست مجرد حكاية جرح، بل هي وثيقة حية على قدرة الإرادة الفلسطينية على الخروج من تحت الركام لترسم بالروح حلم غدٍ أفضل.

شارك المقال